لم
يكن "الحسين" يتصور أن حصوله على معاملته من إحدى المؤسسات الحكومية
العاملة أمرٌ عسيرٌ لدرجة أنه يستغرق أياماً وليالي عديدة .. . كل ما يعلمه
أن المعاملة يمكن
إنجازها في وقت قصير جدا، لكن خاب ظنه.
قال للأخ الأستاذ "عبد الله" والذي يعمل سكرتيراً في تلك المؤسسة:
- "ما
هي أخبار معاملتنا ؟"
- "لم
تجهز بعد ..."
- "لحتى
الآن ..."
- "للآسف
لم تجهز بعد .. وحينما تجهز سأقوم بالاتصال بك".
- "لكن
الأمر طال كثيرا .."
- "
لو راجعت المدير أو ... أو
..."
- "من
الممكن تحولني عليه ..."
- "دقيقة
ابقى معي ..."
- "رن
... رن .. رن ... ثم يعود الاتصال للأستاذ "عبد الله" مرة أخرى"
- "يبدو
أن الأخوة مشغولين .. يمكنك محاولة الاتصال لاحقاً .."
- "إن
شاء الله .."
وبعد يوم من الانتظار
...
- "السلام
عليكم ..... عبد الله معك "
- "وعليكم
السلام ..."
- "الحسين
؟؟"
- "صحيح"
- "للآسف
المعاملة لم تجهز بعد"
- "طال
الأمر كثيرا والأمر حرج وإذا لم تنجز هذه المعاملة سأتعرض لحرج كبير وشديد"
- "للآسف
لم يصل عندي أي شيء ......"
- "ما
العمل ...؟؟"
- "راجع
الأخوة ..."
وتستمر المعاناة الطويلة ويستمر الحسين في اتصالاته الحثيثة هنا وهناك ومعاملته لا تزال ترزح محلها
..
***
لم يكن الحسين يكره شيئا كراهيته لتأخير معاملات الناس، فمنذ صغره وهو يتألم إذا قال له الموظف المختص "تعال غداً" كان يشعر بالغثيان والكراهية لهذا الموظف ... ويرميه بالتقصير وعدم احترام الآخرين، لشد ما يكره ذلك فقد كان في بعض الأحيان يدخر مصروفه اليومي ليذهب إلى هذا المكان أو ذاك، فكان يثور في وجه الموظف: "لماذا غداً ... لماذا لا تحترمنا وتقدرنا ... إننا ندفع دماء قلوبنا وفي النهاية تقول لنا تعال غداً ... يا لها من كلمة سهلة جداً على ألسنتكم لكنها ثقيلة كئيبة على سائر الناس".
وحينما كبر الحسين ولشد ما رأى من تأخير في معاملات الناس سواء في المؤسسات الحكومية أو الخاصة أصبح يتقبل التأخير في معاملاته بعض الشيء وإن كان يشعر ببعض الغصة في نفسه.
لذا كان يصبر على معاملته بعض الشيء لكن في نهاية الأمر يثور إن لم يجد صدى وتفاعلا ...
قال للأخ الأستاذ "عبد الله" ونبرة الغضب والأسى تبدو عليه:
- "إنكم
تتأخرون علينا كثيرا في المعاملات مما يوقعنا في الحرج"
- "لا
تقلق ..."
- "لي
عشرة أيام ولم تجهز معاملتي بعد وتقول لي لا تقلق ..."
- "سنجهزها
لكم ..."
- "متى؟؟؟
!!! "
- "إن
شاء الله اليوم تكون جاهزة"
- "نحن
في الانتظار"
ويمر اليوم واليومان ومعاملة الحسين لا تزال تراوح مكانها دون نظرة عطف من الجميع.
***
لا
تزال كلمات "محمد عبد الله" –صديقه المقرب- تعمل أثرها في الحسين .. قال
له: "إن أردت مصلحتك تمشي بسرعة فعليك أن تتصل على مسئول كبير ليتابعها لك،
وإلا فإنها ستأخذ
وقتاً أكثر من اللازم، فكثير من الناس يخافون المخلوقين ولا يخشون الله عز
وجل"، لم يكن الحسين يومها يظن أن المعاملات خاصة في هذه المؤسسة الحكومية
والتي لها مساس مباشر بحياة المواطنين يمكن أن تتأخر كثيرا... ولكنه حينما
خاض في تجارب الحياة ورأى التأخير بين الناس
وبعدهم عن الالتزام أدرك أن هناك خطراً يتهدد الجميع ...
***
كان
على الحسين أن يذهب لأحد المسئولين كي تسير معاملته على ما يرام، يا له من
حرج شديد، لكن المرء يضطر في بعض الأحيان إلى أكل الميتة ... وفكر الحسين
كثيراً قبل أن
يقدم على هذه الخطوة الحرجة ...
فكلما
تذكر كلمات والده بأن يكون رجلاً عصامياً لا يسأل الناس شيئاً توقف عن
الإقدام لرجاء الناس، وكلما تذكر كلمات صديقه بأن المعاملات لا تسير إلا
بعد واسطة من أحد
المسئولين راودته نفسه على الإقدام ...
وأصبح الحسين حائرا ... وبعد صراع نفسي كبير قرر أن لا يذهب ... وأن يكتفي بدعاء الله عز وجل أن يسهل معاملته
...
وتأخرت المعاملة كثيراً ... والحسين يرفض الذهاب لأي مخلوق ليرجوه ويتوسل إليه ... يا لها من أشياء تذهب ماء الوجه تدريجياً
...
ووسط هذا الذهول يرن هاتفه:
- "السلام
عليكم معك عبد الله"
- "وعليكم
السلام ... حي الله الأستاذ عبد الله... طمنونا"
- "معاملتك
جاهزة ... وبإمكانك المجيء لإمضاء بعض التوقيعات"
- "متى
يمكنني المجيء؟؟"
- "غداً
الساعة العاشرة"
- "شكرا
لكم"
- "هذا
واجبنا"
***
ومضى الحسين يمني نفسه بإنجاز معاملته
... وقبل
أن تصبح الساعة التاسعة والنصف كان في المؤسسة الحكومية ... ووجد أمامه
طابور طويل ... رجال ونساء، شباب وشيوخ، والأصوات تتعالى هنا وهناك
..
وتمتم
الحسين في نفسه: "يا إلهي كل هذا الطابور ... لماذا لا يقومون بتوزيع
الأشخاص على سائر الأيام، لو فعلوا ذلك لن يكون هناك طابور طويل وستمشي
الأمور بسلاسة، أما
أن يحددوا أيام محددة في الشهر فقط، فهذا سيجعل الطابور طويل جداً .."
ووقف
الحسين في الطابور من الساعة التاسعة والنصف إلى الثانية والدور لم يأت
عليه بعد ... والعرق يتصبب من جبينه ... ووسط هذا التعب صاح المنادي
"من
لم يأته الدور اليوم فليأت غداً ..." فتعالت الأصوات والسباب، ومضى الحسين وهو يردد: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
***
في اليوم التالي قرر الحسين الذهاب مبكرا
... صلى الفجر ثم انطلق فوجد أيضا أمامه طابورا طويلا وإن كان يقل عن أمس
... ووقف الحسين حتى جاءه الدور الساعة الثانية عشرة
...
فرح الحسين كثيرا وقال وعلامات الفرح تبدو من محياه:
فرح الحسين كثيرا وقال وعلامات الفرح تبدو من محياه:
- "الحمد
لله أنجزنا المعاملة"
- "ليس
بعد؟؟ عليك أن توقع هنا، وتمضي الورقة هذه من تلك الدائرة، وهذه شهادة خلو
من الأمراض فعليك الذهاب إلى وزارة الصحة، وعليك أن تدفع رسوم طوابع في
وزارة المالية، و ... و
..."
- "كل
هذا؟؟"
- "نعم
.. هكذا الإجراءات"
- "يا
لها من إجراءات روتينية قاسية"
- "ماذا
نفعل ؟؟ هذه الإجراءات لنحفظ حقوقنا وحقوقك"
- "لا
بد من الثورة على هذه الإجراءات "
***

