random

مختارات

random
random
جاري التحميل ...
random

حينما يسقط الأطهار


 كان (الشيخ أبو محمد) ذا اللحية البيضاء كالنحلة يتنقل من زهرة إلى زهرة ليعطي الناس العسل الصافي، ولا يبخل على دعوته بشيء فحياته كرسها لله سبحانه وتعالى ...
يعطي درسا دعوياً هنا ومحاضرة هناك وخطبة في هذا الجامع وأخرى هناك ويؤم الناس ويجذبهم بصوته الشجي الندي ويحب الناس كلامه ويستمعون له حتى لو أطال عليهم.
كان يعلم الناس معاني الطهر ويشاركهم في أفراحهم وأحزانهم، ويبش في وجوههم ويبتسم في وجوه مخالفيه فكان موضع احترام من الجميع.
كان يقول للناس: "بالأخلاق نبني مجتمعاً طاهراً نقيا ... ولن تكون هناك أخلاق ما لم نطبق شرع الله عز وجل ... فشريعته سبحانه طاهرة مطهرة لا تحابي شخصاً على حساب شخص ... قد يسقط الأطهار لكن حتما سيفوقون من غفلتهم ... ألم يقل الله تعالى:  " إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ" فالأطهار قد يمسهم طائف من الشيطان لكنهم حتما سيبصرون الطريق ... فكونوا عوناً لإخوانكم المذنبين ولا تكونوا عوناً للشياطين".
 -         قال له تلميذه "الحسين" ذات يوم:  "يا شيخنا إننا نعيش في زمن الشيطان"
-         قال له الشيخ: "الشيطان في كل زمان ومكان يا حسين"
-         "لكن الشيطان يحكم قبضته على الناس في هذا العصر، فينساق الناس وراءه وينسون خالقهم"
-         "العيب في الناس ... فلو صلحوا ما استطاع الشيطان أن ينتصر عليهم ..."
-         "لكن الأطهار يسقطون .."
-         "الكل يسقط إلا من عصمه الله"
-         "إذن ما العمل ...."
-         " أن ندعو الله أن يعصمنا ولا يفضحنا بذنوبنا"

***
-         "أسمعت بالخبر يا حسين ... قبضوا على الشيخ "أبي محمد" ... كان هذا ما نقله له صديقه أحمد وحوله مجموعة من الأصدقاء ..."
-         "نسأل الله أن ينتقم من الظالمين"
-         "ليسوا ظالمين ... بل الشيخ دنيء النفس الذي لم يرحم نفسه ولم يتعظ بشيبته"
-         "اتق الله ولا تسب على المشايخ الذين كرسوا حياتهم لخدمة الدين"
-         "إنك تنخدع بالمظاهر يا حسين .. هذا الشيخ الزاني"
-         "زاني ... وتقذف الأطهار ..."

كان وقع الخبر عليه كالصاعقة ...
وانفجر "الحسين":  "إنهم يريدون تشويه صورة المشايخ ... أيعقل أن يضبط مثل هذا الشيخ في مثل هذه الأمور التافهة الساقطة ... لا تردوا على هؤلاء ... والله إنهم كاذبون ... كاذبون .. كاذبون"
فرد عليه صديقه "أحمد":  "لكنهم ألقوا عليه القبض وهو محبوس وقد اعترف بذلك"
-         "مستحيل !!"
-         "أقول لك اعترف واعترفوا عليه وتقول لي مستحيل "
-         "أنتم لا تعرفون الشيخ أبا محمد، ولو عرفتموه جيداً لما تكلمتم وتفوهتم بهذه الجمل التي يلقيها الشيطان على ألسنتكم لتشوهوا صورة الصالحين"
-         "أعرف أنك لن تستوعب ذلك من هول الخبر"

لم يعد الحسين يستطيع النوم، يفكر كثيرا ويسرح كثيرا في قصة الشيخ "أبي محمد" حتى أشفقت عليه زوجته ...
قالت له: "هون عليك يا حسين ... علام هذا السرحان وشرود الذهن لديك على غير عادتك"
- "لا أدري ... "
- "بل هناك شيئاً تخفيه في داخلك ..."
- "ليس هناك شيئاً ..."
ثم انفجر وقال لها:  "تخيلي إنهم يرمون الشرفاء  الأطهار بتهم ساقطة وقضايا وضيعة دنيئة ... يتهمون من همه دين الله ويضحى في سبيل الله ويبذل الغالي والنفيس ... يتهمون أناساً كرسوا حياتهم لله أفادوا المجتمع ونشروا الطهر والعفة ... أيعقل هذا؟؟"
-         "سبحان الله ... هكذا يسول لهم الشيطان سوء أعمالهم ..."
-         "نسأل الله أن يظهر براءة هذا الشيخ الطيب ... حتى وإن فعل ما فعل فنسأل الله أن يستره في الدنيا والآخرة ويغفر لنا وله"
***
 أصر الحسين أن يذهب للشيخ "أبي محمد" ليستفسر منه ما حدث ... فهو لم يصدق ما حدث ولن يصدقه فالشيخ من وجهة نظره أكبر من أن يرمى بالفحشاء ..
-         قال لشيخه: "اصبر يا شيخنا على الاتهامات الباطلة فو الله إنك ازددت مكانة في قلبي أكثر من قبل ... والنبي صلى الله عليه وسلم كما علمتنا تعرض لاتهامات كثيرة باطلة"
-         فرد عليه الشيخ والدموع تنهار من عينيه: "لقد اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم في أهل بيته، فصبر جميل والله المستعان، سأرحل يا حسين ... لم أعد أستطيع البقاء ... المجتمع ظالم لا يرحم ... انظر يا حسين قبل ذلك كانوا ينظرون إلي نظرة ناصعة البياض فانقلبت مباشرة إلى نظرة سوداء قاتمة ... وتبدل الحب في قلوبهم إلى حقد أسود لو مزج بماء عذب لأصبح أجاجا ... إنهم يعينون الشيطان على إخوانهم المسلمين ... أيعقل يا حسين أننا نعيش في مجتمع مسلم ... هذا مجتمع لا يتخلق أبدا بأخلاق الإسلام .."
-         "اصبر يا شيخنا ... وكان الله في عونك"

ومضي الحسين والدموع تترقرق من عينيه ... ولم يعد قادراً على ضبط نفسه ... صار يفكر في القصة كثيرا ... تخيل نفسه في حلم كبير لم يستيقظ منه بعد.

قال لصديقه "أشرف" :  "أيعقل أن يسقط مشايخ كبار في شراك الشيطان"
-         "بالنسبة للقصة فأؤمن ببراءة شيخنا، لكن قد يسقط الأطهار ... ألم تعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:  " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء"
-         "بل قرأته ... يا الله ... ألهذه الدرجة يسقط الرجال حينما تتحرك فيهم الشهوات والنزوات العابرة"
"نعم يا حسين ... وقد سقط أطهار كثير .. ألم تعلم ما حدث مع ماعز والغامدية  رضي الله عنهم ... أما علمت ما كان يحدث مع بعض الأطهار الذين يؤتى بهم بسبب الخمر"
"بل علمته ... إذن ما العمل"
"العمل أن تستغفر الله لهم وتدعو الله لهم بالهداية وأن لا تكون عوناً للشيطان على إخوانك ... عليك أن تستر ذنوبهم ولا تشارك في فضحهم"
"نسأل الله أن يغفر لنا ولهم ... والله إنهم أحب إلينا من أنفسنا"

***

كانت لكلمات صديقه "أشرف" وقعاً كبيرا عليه  فمضى يدافع بكل قوة عن شيخه..
كان أحدهم  يسبه أمامه ويقول : "انظروا إلى هذا الخرف الضال الذي لم يرحم شيبته وذهب ليزني بأرملة ... الكلب أفضل منه فالكلب أكثر غيرة  .."
فرد عليه الحسين:  "اتق الله ولا تأكل لحم إخوانك"
"تدافع عن هذا الكلب الخائن الذي باع نفسه للشيطان"
"الشيخ بريء، والجميع قد يسقط فهو بشر وليس معصوما"
"بل الأنجاس الذين يسقطون .."
"بل الأطهار يسقطون أيضاً ... ألم تقرأ قصة سيدنا ماعز بن مالك رضي الله عنه حينما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يطهره  فبعدما طهر... مر به رسول الله صلى الله عليه و سلم ومعه نفر من أصحابه فقال رجل منهم إن هذا الخائن أتى النبي صلى الله عليه و سلم مرارا كل ذلك يرده حتى قتل كما يقتل الكلب فسكت عنهم النبي صلى الله عليه و سلم حتى مر بجيفة حمار شائلة رجله فقال كلا من هذا قالا من جيفة حمار يا رسول الله قال فالذي نلتما من عرض أخيكما آنفا أكثر والذي نفس محمد بيده إنه في نهر من أنهار الجنة يتغمس ....
فالإنسان مهما كان صالحاً قد يقع  ... وهذا الصحابي الجليل عبد الله وكان يؤتى به كثيرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويجلده في حد الخمر ... وحينما سمع النبي صلى الله عليه وسلم من يقع فيه ويسبه نهاهم أن يكونوا عوناً للشيطان على أخيهم المسلم وقال لهم إنه يحب الله ورسوله "
"أيعقل هذا الحديث ..."
"وما العمل يا حسين ... ألا يجب أن نحذر الناس من هؤلاء الذين يتسترون بثوب الدين ..."
"بل نسترهم إلا إذا جاهروا بذنوبهم وأصروا عليها ..."
"حقاً قد يسقط الأطهار ... لكن سقوطهم ليس كسقوط باقي الناس"

والسلام عليكم ،،،


التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

أبو محمد مسمح

2018


تطوير

ahmed shapaan